هل هي حرب مع أجسادنا؟
إعداد وتقديم: داريه فرمان & نهى سلوم
هل تعبت من قضاء صيفك في زنزانة المقارنات، تراقب جسدك في المرآة كأنه عدوٌّ لدود؟ من الذي أقنعنا أن متعة البحر والمسابح مشروطة بمقاس خصر معين، وأن طقوس الصيف لا تكتمل إلا ببطن مسطح؟ ومتى تحولت عقولنا إلى ساحة معركة تتنازعها إعلانات "الكيتو" و"الصيام المتقطع" و" نظام الطيبات" ووصفات المعجزات التي لا تنتهي؟ هل نحن حقاً نتحكم بخياراتنا الغذائية والصحية، أم أننا مجرد دمى تحركها هوس "الجسد المثالي" المصنوع خلف شاشات الإعلانات؟ ألم يحن الوقت لنعلن الهدنة مع أجسادنا، ونتساءل: مَن المستفيد الحقيقي من بقائنا في هذه الحرب الشعواء طوال الفصول؟
Von Darya Farman & Noha Salom
إذا كُنّا نعيش في عصر يقدس "الحرية الفردية"، فلماذا نشعر بكل هذا الأسر القيود أمام أرقام الموازين؟ لماذا يتحول قدوم فصل الصيف، الذي يُفترض أن يكون موسم الانطلاق والراحة، إلى حالة من الطوارئ النفسية والجسدية؟ ومن الذي وضع الدليل السنوي لـ "جسد الشاطئ المثالي" وجعلنا نركض خلفه كالمغيبين؟ هل جرّبت يوماً أن تتناول وجبة تحبها دون أن يرافقك شبح الشعور بالذنب، أو دون أن تحسب السعرات الحرارية وكأنك تفكك شفرة قنبلة موقوتة؟
هوس التسويق: صراع الحميات وتشتت العقول بمجرد أن ترتفع درجات الحرارة، تبدأ الماكينة الإعلانية بضخ مئات الرسائل المتناقضة التي تزيد من حيرتنا وتشتتنا: تسونامي الأنظمة الغذائية: تجد نفسك محاصراً بين عرّابي "الكيتو" الذين يقدسون الدهون ويحرمون الكربوهيدرات، وبين دعاة "النظام النباتي" الذين يرون في اللحوم دماراً للصحة، وصولاً إلى جداول "الصيام المتقطع" الصارمة.
صناعة الوهم المربحة: شركات المكملات، ومشروبات التخسيس السحرية، ومراكز الرشاقة التجارية المستفيدة الأولى من زعزعة ثقتك بنفسك. إنهم يبيعونك المشكلة (عدم الرضا عن جسدك) ثم يبيعونك الحل الزائف في علبة!
التناقض الصارخ: كيف يمكن لعقلنا البشري أن يستوعب هذا الكم من الفلسفات الغذائية المتضاربة في آن واحد؟ الكل يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة، والنتيجة الوحيدة الثابتة هي شعورنا الدائم بالتقصير والفشل.
أجسادنا ليست صيحة موضة إن خطورة هذه الحرب لا تكمن فقط في حرماننا من طعام نحبه، بل في تشويه علاقتنا الفطرية بأجسادنا. لقد تحول الجسد من وعاء حيوي يحملنا، ويمكّننا من الحركة، والتنفس، وعيش الحياة، إلى مجرد "مشروع مستمر" يحتاج إلى التعديل والتقويم والتشذيب ليرضي معايير منصات التواصل الاجتماعي.
إننا ننسى وسط هذا الصخب أن الأجساد البشرية تتنوع طبيعياً بتنوع الجينات، والمراحل العمرية، والظروف الصحية. محاولة صب جميع البشر في قالب "موديل" واحد هي جناية بحق التنوع الإنساني، ونوع من العبودية الحديثة المغلفة بشعارات الصحة والرشاقة. كفى حرباً.. حان وقت الهدنة
الخروج من هذه الدائرة المفرغة يبدأ بوعي حقيقي وخطوات عملية: تنقية المحتوى الإلكتروني: ألغِ متابعة كل حساب أو منصة تشعرك بالدونية، أو تروج لصور معدلة بالفوتوشوب والفلتر وتدعي أنها الواقع. تغيير المنظور للصحة: لنتحرك لأن الحركة تمنحنا الطاقة والحيوية، ولنأكل الأكل المتوازن لأنه يغذي خلايانا، وليس هرباً من ميزان أو خوفاً من نظرة مجتمعية.