من يملك المدينة؟ التشرد والتسول بين الحاجة والاستبعاد
إعداد وتقديم: داريه فرمان & نهى سلوم
من يملك المدينة حقًا؟ من يجلس في المقاهي الراقية، أم من ينام على أرصفتها تحت ضوء الشارع؟ ماذا يحدث حين يصبح الفقر مرئيًا إلى درجة تزعج أعين الذين اعتادوا ألا يروه؟ هل المتسول يطلب المال فقط، أم يطلب قبل ذلك مكانًا يشعر فيه أنه إنسان له حق في هذه المدينة؟ وأين تنتهي الحاجة، وأين يبدأ الاستبعاد الاجتماعي الذي يدفع الإنسان إلى هامش الحياة؟ في هذه الحلقة، نقترب من وجه آخر للمدينة؛ وجهٍ لا يظهر في الواجهات اللامعة، بل على الأرصفة، حيث تتقاطع الحاجة والكرامة والسؤال الأصعب: من يملك المدينة؟
Von Darya Farman & Noha Salom
حين نمشي في شوارع ألمانيا، قد نمرّ بجانب شخص يجلس على الرصيف، يطلب بعض النقود، أو ينام في مدخل محطة قطار. أحيانًا نخفض أعيننا، وأحيانًا نسرّع خطواتنا، وكأن المشكلة تصبح أقل إزعاجًا إذا لم ننظر إليها. لكن خلف كل وجه على الرصيف قصة لم نسمعها، وربما سلسلة طويلة من فقدان العمل، أو السكن، أو الأسرة، أو الصحة، أو الأمان.
التشرد ليس دائمًا نتيجة اختيار شخصي، كما أن التسول ليس بالضرورة دليلًا على الكسل. هناك أشخاص سقطوا من شبكة الحياة تدريجيًا، حتى أصبح الرصيف آخر مكان بقي لهم. وفي ألمانيا، حيث توجد منظومة واسعة من المساعدات الاجتماعية، تعترف الدولة أصلًا بأن مواجهة الفقر والتشرد جزء من مسؤولية الدولة الاجتماعية، وتوفر خدمات تشمل مراكز الاستشارة، والعمل الاجتماعي في الشوارع، والملاجئ الطارئة، والمساعدة في العثور على سكن.
لكن وجود المساعدة لا يعني أن الوصول إليها سهل دائمًا. أحيانًا يكون الشخص في حالة نفسية أو اجتماعية تجعله عاجزًا عن فهم الإجراءات، أو التعامل مع الدوائر الرسمية، أو حتى طلب المساعدة. وهنا تصبح الإنسانية جزءًا من الحل: أن نتعامل مع الشخص قبل أن نتعامل مع مشكلته، وأن نراه كإنسان له اسم وذاكرة وكرامة، وليس كـ«متسول» أو «مشرد» فقط.
ليس مطلوبًا من كل شخص أن يعطي المال. يمكن أن يكون كوب قهوة، أو طعامًا، أو كلمة محترمة، أو حتى سؤالًا بسيطًا: «هل تحتاج إلى مساعدة؟». والأهم ألا نعامل الشخص باحتقار أو خوف لمجرد أن مظهره مختلف. ففي ألمانيا توجد بالفعل خدمات اجتماعية متخصصة للأشخاص الذين يعيشون في الشارع أو يواجهون صعوبات اجتماعية حادة، وتشمل المساعدة في التعامل مع السلطات، والبحث عن سكن، والعمل الاجتماعي الميداني، والسكن المدعوم. وربما علينا أن نطرح السؤال بطريقة مختلفة: بدل أن نسأل «لماذا لا يعمل؟» أو «لماذا لا يجد بيتًا؟»، نسأل: كيف وصل إنسان إلى أن يصبح الشارع بيته؟ ومن كان يمكن أن يمسك بيده قبل أن يصل إلى هناك؟
المدينة ليست فقط المباني الفاخرة والمطاعم والمقاهي والشوارع النظيفة. المدينة هي أيضًا أرصفتها، ومحطاتها، وأشخاصها الذين لا يملكون مكانًا آخر يذهبون إليه. لذلك، عندما نرى مشردًا أو متسولًا، قد لا نستطيع تغيير حياته، لكننا نستطيع على الأقل ألا نضيف إلى فقره إهانة، ولا إلى وحدته احتقارًا. فالكرامة لا تحتاج إلى حساب مصرفي، ولا إلى عنوان ثابت، ولا إلى ملابس أنيقة. الكرامة حق إنساني. وربما اختبار المدينة الحقيقي ليس في مدى جمال شوارعها، بل في الطريقة التي تعامل بها أكثر الناس ضعفًا على أرصفتها.